|
مرحباً، أتمنى أنك بخير، دخلت المربعانية، وما يزال أحفاد الجيران محافظين على تقليد إحياء ليل حوشهم، الذي تُطلّ عليه نافذتي، اعتدتُ هذه الحضرات الأسبوعية، فتُصم أذني عنها تلقائياً، يُشبه الوضع الـ white noise ( ترجمته الحرفية الضجيج الأبيض، غير مقنعة طبعاً) ، فأفتقدهم إذا غابوا، خاصة خلال الحظر، كانت الشارع موحشاً لما اقفرّ من ضجيج الأطفال. استوقفتني الفترة الماضية هذه العبارة: "يطمئن الإنسان إلى الشعور الذي نشأ عليه." ووجدتُ فيها تفسيراً لبعض الأنماط السلوكية (patterns of behaviour)ـ أو النمط الطبيعي في سلوك إنسان (the norm)، ولا يعني أنّه صحّي، ويتداخل مع جوانب نفسية أخرى طبعاً. أيّهما أفضل للإنسان: الشعور بالأمان أم الشعور بالخطر؟ الأمان طبعاً، لكن الفرد الذي لم يذقه ولم يعالج سبب غيابه، فهو لم يعرف إلا ترقب الخطر المحدق، لن يطمئن لشعور الأمن، وسيظل جاهداً على العيش في حالة التوجّس، فإذا لم يرَ أمارات الخطر، ارتاب، وهذا يحصل بلا وعي. طيب، القلق أم الطمأنينة؟ الطمأنينة طبعاً، لكن الذي لم يذقها ونشأ على القلق، وغالباً ما يكون من الأم، يشك بأي ظرفٍ أو حدثٍ لم تحقق ما قلق بشأنه، ولربما أحدث هو مشكلة ليؤكد وجاهة قلقه. كالذي يُراقبك أثناء سكبك الماء له، فإذا انسكبت قطرة، هاج وماج وقال: "شففففت! قلت لك!!!" شهدتُ بعيني حادثة في محطة سفر، كانت الأم تسكب لابنتها الوضوء، والبنت تتوضأ بهدوء، فتغضب الأم وتسكب الماء، فتعيد البنت الوضوء بنفس الهدوء، والأم تغضب وتسكب، والبنت تعيد، حتى توضأت مرة واحدة فقط لتباغت غضبة والدتها. التعزيز أم التحطيم؟ التعزيز طبعاً، لكن الذي اعتاد على التحطيم المعنوي ونقد نقصه الذي يأتي بقالب الحرص: "عشان مصلحتك والله! شف الزعول، ما (تنتحاتسى)! والله محد يقول لك الصدق غيري!" ، لا يطمئن لمن يدعمه ويعززه، بل ربما نَفَر من الذي يمتدحه حقاً. التقشّف أم التنعّم؟ التنعّم طبعاً، لذا من اعتاد على نِعَم الحياة، لا يطمئن للتقشف، ومن فُتحت له أبواب الدنيا لا ترتاح نفسه إلا للتقشف، وهذا يختلف عن الزهد أو القناعة، إنما اضطر لذلك في صغره أو ربّاه أحد على ذلك. ترى الإنسان أحياناً يفرض ما يطمئن به على الأخرين، فلا يعمل معك إلا إن كان يأمنك، وهي لا تستريح إلا تلقت تعنيفاً في بيتها أو عملها. في معرض مناقشة هذه الفكرة، قالت صديقة:"عاقبتني والدتي في المتوسط لأنّي نقصت درجة ونصف في مادة، وبقية الدرجات إما كاملة أو نقصها ربع. استوقفتني إدارية وباركت لي مجموعي العالي، سألتها :"تمزحين؟" فاجأتني بردها: "ما العلاقة التي بيننا لأمازحك!" . أُحرجت ولم أفرح برأيها عن مستواي، وفي البيت طلبت الإذن من والدتي لإقامة حفلة نجاح، فقالت: "ما تستاهلينها،" أبهجني جوابها إذ يعني أن الأمور على ما يُرام وطبيعية طالما تلقيت هذا التحطيم." كما أذكر في الحج أخت شابّة تبرّمت من الراحة التي وجدتها في المخيم، وتنظيم التنقلات وقرب الجمرات، أذكر كلمتها: "عسى الله ما يعاقبنا،" لم ترتح حتى خالفت تنظيم الحملة، لم تنتظر الحافلة التي ستقلها لطواف الإفاضة بل استقلّت درّاجة نارية استأجرها أخوها، وتتالَت الصعوبات حتى انهارت أخيراً بوصولها المخيّم، بعدما وعت على نفسها قالت: "الحين اسمه حج." من اللطيف في ختام هذه الرسالة إليك أن أذكر كتاب "جمالية الألفة"، ففيه عرض جميل لأهمية الانطلاق مما يألف الناس للتأثير عليهم، وهو من الكنوز التي دلتني عليها الصديقة منال الفهيد. فتّك بعافية، آراك |
أكتب لك بالرغم من جائحة كوفيد19 منذ رجب 1441 | مارس 2020 كل جمعة | (أيام الكورونا سابقاً)
"ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ" من جماليات ديننا أنه لا يتركك لنفسك؛ مهما كانت حالتك النفسية إذا ما اعتنيت بنفسك طواعية، تُلزم، فإن لم تلتزم تؤثم، وكثير من السلوكيات تحفظ كرامتك إن كنت تجهل كيفيتها أو لا يهمّك. وفي جوانب لا يسمح لك تعيشها وحدك؛ الأمّة كلها معك، فإن لم تكن تُبالي، تُرغم نفسك على ذلك لأنه حق الجماعة عليك. منها الاحتفال بالعيد؛ شعيرة ربّانية ليست لك وحدك إذ فيها تمّت نعمة الصوم عليك ومن حولك. اُشبّه الفرح بالعيد بالرغم مما أصابك...
"قالوا ما أَخلَفنا مَوعِدَكَ بِمَلكِنا وَلٰكِنّا حُمِّلنا أَوزارًا مِن زينَةِ القَومِ فَقَذَفنٰها فَكَذٰلِكَ أَلقَى السّامِرِىُّ" [طه: 87 - 87] أتعجب من بني إسرائيل: بالعقل والقلب والدليل الذي هداهم لاتباعه والهرب معه من فرعون وقومه، وبالعين التي رأت معجزة فلق البحر، كيف تركوا هارون النبيّ عليه السلام، والتفتوا للسامري؟ قصة موسى عليه السلام مع قومه دروس للحياة، خاصة لو السياق فيه بلبلة وتخالف وعناد لذات العناد، في هذه الآية تحديداً مما أفهمه -بفهمي المحدود لآيات الله- وبال تجاوز التسلسل...
"واستعينوا بالصبر والصلاة" كيف يتعلم العبد الصبر؟ بالصيام! فهو صبر على الطاعة، وصبر عن الحرام، وصبر على القدر من ألم العطش والجوع. والصيام العمل الوحيد الذي أضافه الله جلّ في علاه لنفسه الكريمة، وأضاف الجزاء بلا عدد ولم يرتب له ثواب لأن الكريم المتفضل. الجديد عندي هو أنه حين يتقاضى الخلق، ويؤخذ من حسنات فُلان لتُوضع في ميزان فُلان، كل الحسنات تؤخذ أو يؤخذ منها إلا حسنات الصيام! لماذا؟ لأن الله استأثر به لنفسه، وهذا من رحمة الله وفضله.