|
مرحباً، أرجو أنك في خير حال. أمامنا بيتان لأخوين، أمامهما أشجار كثيفة تُخفي معالم البيتين وتُظل السيارات. لم أتمنَ يوماً أن تزال، إنما تُخفف لأن الأغصان تستثقل تفرعاتها أحياناً، فتلقي بالأغضان أوالأوراق أو حُبيبات الثمر علينا، أصبحتُ أتابع المواسم بعن طريقها. صيّرت هذه الجنة المصغرة الشارع معلماً، وسيرك لدجاج الجيران والقطط، والحمام والعصافير. بدأت أعمال الإزالة من فترة لأحد البيتين، فوجدت الشمس لها جهة إضافية لتتمدد على بيتنا. اتفق أنّ البيت أمام المقلط، فنتابع أعمال الهدم والقطع يومياً .. انتقل صاحبه إلى رحمة الله منذ سنوات طويلة، وتوزّعت ذريته من بعده إلى بيوتاتهم وكذلك عقيلته، مع ذلك شعرت بأسى عميق عليه، لا أذكر أني رأيت أو اختلطت بأهل هذا البيت، لكن سمعت قصص عظيمه عن صاحبه وكأني بأخيه الذي قاوم إزالته لسنوات وهو يحتفظ بآخر شيء مادّي عن أخيه. كل هذا عشان أقول لك الحكمة إنه إذا ألِفنا الشيء لا نريد غيره، ليس لأن غيره أسوأ، بل لأننا ركنّا إليه، ولو ضرّنا، لا نعرف شعور أو سياق غيره، وبعض الناس عندهم شعور وفاء عالٍ، فل سبق كتبت لك عن الأُلفة في رسائل أيام الكورونا، فلما عدت إليها وجدتني ذكرت الجيران أيضاً :) . هذا هو نص الرسالة وفكرتها الرئيسية هي ما أردتُ التعبير عنها اليوم، الذي سأضيفه هو أنّه ما زلت أجد لكتاب "جمالية الأُلفة" أثراً في نفسي حول السهل المتتنع، وأنّ "لإيلاف قُريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف" تذكير بأمرٍ شاقّ، ولكن لكثرة فعلهم إياه وتيسير الله لهم [كانوا محترمين لأنهم أهل البيت الحرام]، ألِفوه واطمأنّوا فيه واستأنسوا به، ولم يألفه أحد مثلهم؛ وهذه نعمة لم تكن لمثلهم - ومن اتّصال هذه النعمة وصيانة لها ما حدث في سورة الفيل التي وردت قبلها، وصلهم جيش الفيل إلى حرمهم، لكن رُدُّوا بأمر الله. يعني اللي حماكم وطمأنكم وأنتم راحلين وراجعين هو اللي يحميكم والخطر عند بابكم. لا أذكر أنّه مرّ علي شرح لهذه السورة بهذا الجمال والتحليل. هذا، وفتّك بعافية آراك |
أكتب لك بالرغم من جائحة كوفيد19 منذ رجب 1441 | مارس 2020 كل جمعة | (أيام الكورونا سابقاً)
"ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ" من جماليات ديننا أنه لا يتركك لنفسك؛ مهما كانت حالتك النفسية إذا ما اعتنيت بنفسك طواعية، تُلزم، فإن لم تلتزم تؤثم، وكثير من السلوكيات تحفظ كرامتك إن كنت تجهل كيفيتها أو لا يهمّك. وفي جوانب لا يسمح لك تعيشها وحدك؛ الأمّة كلها معك، فإن لم تكن تُبالي، تُرغم نفسك على ذلك لأنه حق الجماعة عليك. منها الاحتفال بالعيد؛ شعيرة ربّانية ليست لك وحدك إذ فيها تمّت نعمة الصوم عليك ومن حولك. اُشبّه الفرح بالعيد بالرغم مما أصابك...
"قالوا ما أَخلَفنا مَوعِدَكَ بِمَلكِنا وَلٰكِنّا حُمِّلنا أَوزارًا مِن زينَةِ القَومِ فَقَذَفنٰها فَكَذٰلِكَ أَلقَى السّامِرِىُّ" [طه: 87 - 87] أتعجب من بني إسرائيل: بالعقل والقلب والدليل الذي هداهم لاتباعه والهرب معه من فرعون وقومه، وبالعين التي رأت معجزة فلق البحر، كيف تركوا هارون النبيّ عليه السلام، والتفتوا للسامري؟ قصة موسى عليه السلام مع قومه دروس للحياة، خاصة لو السياق فيه بلبلة وتخالف وعناد لذات العناد، في هذه الآية تحديداً مما أفهمه -بفهمي المحدود لآيات الله- وبال تجاوز التسلسل...
"واستعينوا بالصبر والصلاة" كيف يتعلم العبد الصبر؟ بالصيام! فهو صبر على الطاعة، وصبر عن الحرام، وصبر على القدر من ألم العطش والجوع. والصيام العمل الوحيد الذي أضافه الله جلّ في علاه لنفسه الكريمة، وأضاف الجزاء بلا عدد ولم يرتب له ثواب لأن الكريم المتفضل. الجديد عندي هو أنه حين يتقاضى الخلق، ويؤخذ من حسنات فُلان لتُوضع في ميزان فُلان، كل الحسنات تؤخذ أو يؤخذ منها إلا حسنات الصيام! لماذا؟ لأن الله استأثر به لنفسه، وهذا من رحمة الله وفضله.